خطبة الجمعة للشيخ الخطيب

خطبة الجمعة للشيخ الخطيب

2022-06-03 0 By user

ادى نائب رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى العلامة الشيخ علي الخطيب الصلاة في مقر المجلس والقى خطبة الجمعة التي قال فيها: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين وعلى آله الطيبين الطاهرين وعلى جميع الأنبياء والمرسلين والشهداء والصالحين.

قال تعالى في كتابه المجيد:{ يَاصاحِبىِ السجْنِ ءَأَرْبَابٌ مُّتَفَرِّقُونَ خَيرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ، مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إِلا أَسمَاءً سمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وءَابَاؤُكم مَّا أَنزَلَ اللَّهُ بهَا مِن سلْطن إِنِ الْحُكْمُ إِلا للَّهِ أَمَرَ أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ ذَلِك الدِّينُ الْقَيِّمُ ولَكِنَّ أَكثرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ} (يوسف: 39 )

هاتان الآيتان من كتاب الله العزيز حكاية لما جرى بين النبي يوسف على نبينا وآله وعليه السلام ونزيلي سجن فرعون في مصر معه، وكانا كافرين حينما رأى كل واحد منهما رؤيا وارادا منه ان يعبّرها لهما بعدما ظهر منه ما ابهر جميع من في السجن من معجزات مما دل على رفعة مكانته وتميزه فاطمأنا اليه وقصّ كل واحد منهما رؤياه عليه، فرأى ان اللحظة مناسبة والارضية مهيأة ليعرض عليهما الايمان فبدأ معهما الحديث عما يؤمنان به من الآلهة المتعددة المصنوعة من الاخشاب والاحجار التي لا تنفع ولا تضر وتحتاج الى من يصنعها ويعتني بها، ثم مقارنتها مع ما يدعوهم اليه من الاله الواحد القادر الغني ثم انتقل بهم الى ان هذه الالهة المدعاة ليس لها حقيقة ولا واقع وانما اخترعتها اوهام آبائهم من محرفي الاديان وتجارها، وانه ليس هناك الا اله واحد يستحق العبادة وهذا هو الدين الحق الذي لا عوج فيه وهو دين الفطرة والدليل الذي يأخذ بيد الانسان نحو الكمال والاستقرار.

ايها الاخوة المؤمنون، كان من الطبيعي والمنطقي جدا ان يبدأ يوسف (ع) الحديث مع صاحبي السجن بتبهيت عقيدة الشرك وبيان الاعتقاد الحق رغم انهم يعيشون معا القهر في ظلمات السجن الذي يقتضي أن يعمد اولا كقائد يفكر في تغيير الوضع القائم كأولوية واقعية للتخلص مع من معه من السجناء والتحرر من قعر هذا السجن، كما يفعل من يبتلى بهذا النوع من المظالم ولكنه لم يُبدِ انه فكر بالتمرد او بالمقاومة لهذا الواقع على هذا النحو كتحريض السجناء على اثارة الفوضى واقتحام بوابات السجن من الداخل لأن الدافع الداخلي للتمرد والمواجهة لم يكن متوفرا لدى السجناء، واعني بالدافع الداخلي الوازع النفسي والفكري بل كان هناك استسلام تام للأمر الواقع ينتظرون مصيرهم المحتوم، ثم ان مشروع النبي يوسف (ع) كان امرا ابعد من هذه الغاية ولم تنحصر بهذا المجال الضيق وبحدود مساحة السجن وهؤلاء السجناء، فالمصريون كلهم سجناء رغم انهم خارج هذا السجن بل اشد وقعا والما وظلاما منه، لذلك عبّر عنه بقوله لامرأة العزيز حينما هددته بالسجن ان لم يحقق لها رغبتها بقوله ( السجن احب الي مما تدعوني اليه ) وهو وان كان ما دعته امرأة العزيز اليه مستنكرا لدى عامة المصريين الا ان ما كان يعيشه المصريون من هموم ترجع في واقعها الى ما زرعه المستبدون الدجالون من عقائد متخلفة وفاسدة في نفوس المصريين وعقولهم، جعلتهم يعيشون العبودية بأسوأ اشكالها. كان سعيه الاول هو تحريرهم منها واخراجهم من ظلماتها للحرية الحقيقية التي تبدأ بتحرير العقول من سيطرة الاوهام الى نور المعرفة الحقيقية المتمثلة بالتوحيد، ورأى في محاولة امرأة العزيز تعطيلا لهذا الدور واستمرارا للانقياد لشهوات النفس وغرائزها، ولذلك كان يرى في هذا السجن طريقا يعد فيه العدة للمهمة الكبرى التي اعده الله لها بإخراج المصريين من هذا السجن الكبير الذي يعني كم كان التخلف الفكري عميقا احتاج معه ان يرسل الله لهم رسولا لهم ليعتقهم منه لأن تحريرهم الحقيقي يبدأ بتحرير عقولهم الذي تجلى بالتوحيد .

ايها الاخوة الأعزاء، لقد احببت ان اتطرق الى بعض من تجربة هذا النبي الفريدة الذي استطاع بإخلاصه لله تعالى وصبره ان يحول مجتمعا من اعقد المجتمعات من عقيدة الشرك الى عقيدة التوحيد وينجي اهل مصر وهو غريب عنهم مستغلا الصراع الدائر بين السلطة الحاكمة وبين سلطة دين مصطنع وهمي يستغل بساطة الناس بعملية سلمية وبذكاء خارق وبتأييد رباني.

ايها الاخوة المؤمنون، لقد كانت المهمة الاولى للأنبياء كلهم ودون استثناء هي الدعوة للتوحيد التي كانت تستفز المستكبرين الذين رأوا في هذه الدعوة تنبيها لوعي الناس تهدد مصالح مستغليهم والمتحكمين بمصائرهم فأخافتهم وافزعتهم بل وارعبتهم فواجهوها بالتضليل والتشويش ولم تكن مقولتهم التي حكاها لنا القرآن الكريم (انا وجدنا اباءنا على امة وانا على آثارهم لمقتدون ) الزخرف-22ـ الا تعبيرا عن هذا التخلف الذي استغله كبراؤهم للابقاء على الواقع القائم دفاعا عن مصالحهم المهددة بحركة النبوات على مر التاريخ، وكان أعظمها وأكملها ما قام به رسول الله (ص)، ولقد اتخذت الصراعات على مدى التاريخ بين الامم والشعوب طابع الصراع على المصالح والنفوذ استخدم فيها الدين في الاغلب على نحو يخالف اهدافه كأداة تبرير للحرب لإضفاء الشرعية عليها وكعامل تعبوي يُمكِّن السلطات الحاكمة من دفع شعوبها للمشاركة بفعالية اكبر في القتال فكان للشعار الديني الفاعلية الكبرى في الاستبسال والموت ظنا منها انها تقاتل من اجل الدفاع عن مبادئ الدين طلبا للجنة كما حصل في الحروب الصليبية ، فيما كان الهدف هو التوسع والهيمنة وفرض النفوذ للاستحواذ على ثروات الامم المغلوبة على امرها. وبالمقابل لعب الدين في منطقتنا الدور الاساسي له في مواجهة هذا الغزو وطرد المحتلين وافشال مخططاتهم في اجتياح بلداننا بعد صراع مرير دام عقودا مديدة من اجل ذلك، وبعد الثورة الفرنسية والتخلص من سلطة الكنيسة واجتياح العلمنة لاوروبا وانقسام العالم الى محورين ونتيجة لدخول الامبراطورية العثمانية التي كانت تتحكم بمصائر الاغلب الاعم من بلاد العرب والمسلمين الى جانب دول المحور وهزيمته وقعت بلاد العرب والمسلمين تحت نفوذ المحور المنتصر الذي كان من نتائجه تحميل الاسلام نتائج الهزيمة. واستطاع الغرب فرض هيمنته الثقافية وانتاج ونشر ثقافة معادية للدين الذي اُخرج من ساحة الحياة واحلال الافكار القومية والايديولوجيات ذات المنبع الغربي او الشرقي المعادي للدين واتخاذه بديلا للمواجهة والتخلص من الاستعمار والاحتلال. وكانت النكبة الكبرى باحتلال فلسطين وتجميع شتات اليهود من العالم واحلالهم محل شعبها وباءت كل محاولات تحريرها من اصحاب هذه الايديولوجيات بالفشل.

ايها الاخوة المؤمنون، لقد بدأت حركة الامام موسى الصدر في ظل هذه المحاولات الفاشلة تشكل بداية لمرحلة جديدة من الصراع لم تكن مسبوقة في طابعها الايماني والجهادي كان عنوانها خطابه للقائد الفلسطيني ابو عمار (اعلم يا ابا عمار ان شرف القدس يأبى ان يتحرر الا على ايدي المؤمنين الشرفاء )، اعاد لحركة التحرر في المشرق العربي والاسلامي طابعه الحقيقي وان الايمان بالله تعالى وقيم الدين الاصيلة هو العامل الحاسم الذي سيعيد التاريخ الى مجراه الحقيقي وسيرسم المستقبل المشرق لهذه المنطقة بما سيفجره من طاقات هائلة كامنة في نفوس ابناء هذه الامة، وقد استكملت هذه الحركة وازدادت قوة واثبتت هذه المعادلة قوتها الكبيرة بتفجير الامام الخميني الثورة الاسلامية في ايران الذي شكل اعظم حدث في هذا القرن على الاطلاق ما زالت تداعياته تتردد في ارجاء هذا العالم ومنها اعطاء قوى المقاومة في المنطقة دفعا هائلا قلب المعادلات وتحول معها الكيان الغاصب من قوة اعطيت صفة الاسطورية الى كيان خائف على بقائه، بل يتردد على لسان مفكريه وكتابه الشك في امكانية بقائه بعد هزائمه المنكرة التي تلقاها في ساحات المواجهة المختلفة مع المجاهدين من ابناء هذا النهج المؤمن بالله وبوطنه المملوء احساسا بالعزة والكرامة من دون ان يطلب ثمنا لتضحياته وشهدائه سوى ان يرى امته عزيزة كريمة وقوية.

نذكر ذلك اليوم ونحن نتذكر هذا الامام المجدد الذي رحل عن هذه الحياة فأحيا بفكره واخلاصه امة عظيمة وبنى أُسس دولة تزداد يوما بعد يوم قوة وعظمة تجابه اعظم التحديات وتنتصر فيها في تجربة لم ير التاريخ لها مثيلا ترسم طريق الخلاص لأمتنا في مرحلة مصيرية من وجودها.

ايها اللبنانيون، اننا جميعا مدينون لهذه التجربة المباركة التي كان لها الفضل في مد يد العون لنا في تحرير اغلب ما كان العدو قد احتله من ارضنا وما زالت تقف الجمهورية الاسلامية في ايران بصلابة الى جانب المقاومة بقيادتها الحكيمة وشعبها المضحي وتدفع ثمن ذلك حصارا وتشكيكا وتشويها لدورها الاساسي في مساندتها لقضايا العرب والمسلمين في فلسطين وسوريا، فليس من الاخلاق والشهامة ان ننكر معروفها ونتبنى خطاب العداء لها وقد اثبتت التجارب ان الآخرين ممن يعتبرهم البعض اصدقاء لبنان لم يحرروا شبرا من ارضنا بل كانوا دائما في الصف الى جانب العدو.

والآن فليس ينقص اللبنانيون بعد كل ما اصابهم من انهيارات اقتصادية وهبوط للعملة الوطنية ونهب للودائع ان تضيعوا بمعارككم الوهمية البوصلة وتهربوا من واجباتكم بعدما افضت الانتخابات الى هذه النتائج وتشغلون الرأي العام بالاقليات والاكثريات ان تعودوا لضمائركم وتخرجوا هذه الاوهام من رؤوسكم لتعملوا مع اخصامكم السياسيين على اخراج البلاد والمواطنين من المأساة وتفتحوا طرق الحلول، بالإسراع في تشكيل حكومة انقاذ وطني تخرج لبنان من الهاوية التي اوصلتنا اليها السياسات الاقتصادية الفاشلة والرهانات على الخارج والانصياع لضغوطاته واملاءاته. واولى واجبات الحكومة ومهماته ان تعيد الاعتبار لمفهوم المواطنة فتعزز الانتماء الوطني وتعالج الازمات المعيشية والاجتماعية وتنهض بالاقتصاد الوطني على أسس عادلة وسليمة تحقق العدالة الاجتماعية التي تعزز ثقة المواطن بالدولة .